أصبح اللعب السياسي وصراع النفوذ الإقليمي في لبنان على العلن، بعدما كان مغطّى بورقة تين.
عودة سعد الحريري الأخيرة حملت بصمةً إماراتية واضحة، ومواقفه جاءت محسوبة الاتجاه، حتى وإن حرُص على تغليفها بحديثه عن عدم التموضع في صراعات المنطقة. في القراءة السعودية، بدت الخطوة محاولة لإعادة تقديم الحريري بوصفه مرجعية سنّية أولى بغطاء إماراتي، في لحظةٍ يتسع فيها التباين السعودي–الإماراتي على مدار المنطقة. فجاء الردّ من المملكة بحضورٍ ميداني مباشر: حركة مكوكية لسفيرها وليد البخاري إلى طرابلس وعكار، كرسائل نفوذ مضادّة تؤكد أن الساحة السنية في لبنان جزء من معادلةٍ أوسع، وأن إعادة تشكيلها لا تمرّ إلا عبر بوابة واحدة.
وإذا ما اتّسعت هوّة الخلاف السعودي–الإماراتي أكثر على مدار المنطقة، فإن ساحته اللبنانية مرشّحة للاتساع بدورها: صراعٌ على من يملك مفاتيح الطائفة السنيّة أولًا، ومن ثم مفاتيح التأثير في لبنان ثانيًا. عندها قد تتحوّل الانتخابات المقبلة إلى مرآةٍ واضحة لهذا التباين، مع لوائح أقرب إلى خيارات المملكة في مواجهة لوائح مدعومة من أبوظبي، في سباقٍ لا يقتصر على المقاعد، بل يتجاوزها إلى تثبيت المرجعيات وإعادة رسم توازنات النفوذ.
في هذا الصراع على حافة الهاوية، يمكن فهم تموضع «اللجنة الخماسية» في مقاربة الاستحقاق النيابي، إذ إن غياب الإمارات عنها ليس تفصيلًا بقدر ما هو مؤشر على توازنٍ مقصود في إدارة الملف اللبناني. فالدعوة العلنية إلى تأجيل الانتخابات، في هذا التوقيت تحديدًا، تُقرأ أيضًا في سياق احتواء أي اندفاعةٍ إماراتية محتملة عبر البوابة الانتخابية. ذلك أن خوضها من قبل سعد الحريري بغطاءٍ أو دعمٍ من أبوظبي، قد يفضي إلى توسيع موطئ قدمها على الساحة اللبنانية عمومًا، ولا سيما داخل الساحة السنية، بما يعيد خلط أوراق المرجعيات ويُدخل عاملًا إقليميًا إضافيًا على معادلة النفوذ التي تسعى المملكة إلى ضبط إيقاعها.
إلّا إذا جرى احتواء التباين السعودي–الإماراتي وحصره ضمن حدودٍ مضبوطة، عندها تميل الساحة اللبنانية إلى قدرٍ من الاستقرار النسبي. أمّا إذا استمرّ الخلاف من دون إدارةٍ صارمة لإيقاعه، فإن ما لا يُراد له أن ينفجر خليجيًا قد يجد ساحاتٍ بديلة للتعبير: لبنان، سوريا وفلسطين، بوصفها مسارح رخوة قابلة لاستيعاب الرسائل المتبادلة واشتباكات النفوذ.
